الشهيد الثاني
872
رسائل الشهيد الثاني ( ط . ج )
نخرج ، فحمدنا الله تعالى على هذه النِّعَمِ العظيمة والمِنَن الجسيمة التي لا نَقْدِرُ على شكرها . ثمّ بعد ذلك ظهرت لإقامتنا بحلب تلك المدّة فوائدُ وأسرار لا يمكن حصرها ، وظهرتْ لسفرنا على الطريق المذكور أيضاً فوائدُ وأسرار وخيرات لا تُحصى ، وأقلَّها أنّه بعد ذلك بَلَغَنا ممّن سافر على تلك الطريق التي نُهِينا عنها أنّ عليقَ « 1 » الدوابّ وزادَ الناس كان في غاية القلَّة والصعوبة ، والغلاء العظيم ، حتّى أنّهم كانوا يشترون العليقة الواحدة بعشرة دراهم عثمانية ، واحتاجوا مع ذلك إلى حمل الزاد أيّام ؛ لعدم وجوده في الطريق لا للدوابّ ولا للإنسان ، فلو نسافر في تلك الطريق لاتّجَه علينا ضرر عظيم لا يُوصَف ، بل لا يَفِي جميع ما كان بيدنا من المال بالصرف في الطريق ، خاصّة لكثرة ما معنا من الدوابّ والأتباع ، وكانت العليقة في طريقنا أكثر الأوقات بدرهم واحد عثماني وأقلّ إلى أن وَصَلْنا ، ولم نفتقر إلى حمل شيء ، بل جميع طريقنا تمرّ على البلاد العامرة والخيرات الوافرة ، فالحمد للَّه على نِعَمه الغامرة . وكان وصولنا إلى مدينة طوقات صبيحة يوم الجمعة ثاني عشر شهر صفر ، ونزلنا بعمارة السلطان بايزيد ، وهي مدينة كثيرةُ الخيرات ، عامرة آهِلَة ، يُجلبُ إليها ومنها أكثرُ الأمتعة والأرزاق ، كثيرة المياه ، والجبال محيطة بها من كلّ جانب ، ويليها إلى الشمال وادٍ طويل متّسِع فيه نهر كبير جدّاً ، يشتمل هذا الوادي على ما قيل على نحو أربعمائة قرية ، شاهَدْنا كثيراً منها ومرَرْنا فيه يومين بعد خروجنا من طوقات . وهذه القُرى المذكورة كلَّها عامرة جدّاً ، كثيرة الخير والفواكه ، متّصلة
--> « 1 » « العليق : ما تعلفه الدابّة من شعير ونحوه » ( « المعجم الوسيط » ص 623 ، « علق » ) .